محمود شهابي

180

النظرة الدقيقة في قاعدة بسيط الحقيقة

ويدلّ عند السامع على ما يعرفه ويأنسه من هذه الأمور ففي المثل من يعيش في بيئة لا يعرف فيها من « الميزان » الّا ما يكون من حيث الصّناعة في المراحل الأوّليّة لا يكون بالضّرورة عنده للفظ « الميزان » دلالة على غيرها من المصاديق المصنوعة - المتدرّجة في الوجود والكمال فإذا سمع ذاك اللّفظ ينعكس في باله « الميزان » - الّذى كان يعرفه من قبل ، ويفهم منه ذلك فقط لا غيره ومن كان له بالنّسبة إلى هذا - الّلفظ وما وضع له من عموم المعنى معرفة أزيد فيكون دلالة اللّفظ عنده أوسع ويخطر بياله مصاديق أكثر . فعلى مبلغ المعرفة تحصل الدّلالة وبمقدار الإحاطة تقدّر الدّرك من العبارة . وبالجملة ، الدّلالة عند السّامع تابعة للانس والمعرفة ، وتقدّر بقدره ، والمعرفة باللّفظ ، من حيث إن له معنى ، ناشئة من الوضع وتابعة له وتتحقّق معه وبحسبه . ثمّ لا مانع من أن يلقى المتكلّم العارف بالأوضاع والأحوال ، الواقف على اختلاف العقول وتفاوت الأفكار والأفهام ، كلامه وخطابه ناظرا فيه إلى عموم معنيه ومريدا شموله على جميع ما يصحّ اطلاقه عليه بحسب الوضع أو على بعضه ، أو قاصدا كلّ واحد من مداليله بحسب انس السّامع به ، وباقتضاء فهمه ومعرفته وحاله ووضعه « 1 » ولعلّه تشير الأخبار الدّالّة على انّ للقرآن بطونا ، والجملات - الواردة في الخطب لبيان هذا الامر ، إلى ما أشرت اليه أيضا كقول النّبى ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، في كلام له في شان القرآن . « . . . . . . وله ظهر وبطن ، وظاهره حكم ، وباطنه علم ، ظاهره انيق ، وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم . لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه . . . . . . »

--> ( 1 ) - ولعلك تكون ممن لا يخفى عليه ان هذه الإرادة ليست من قبيل إرادة المعنيين ، أو أكثر ، من اللفظ في استعمال واحد كي يتوهم ان ذلك النحو من الاستعمال والإرادة ، كما قرر في محله ، ممنوع بل ممتنع : وذلك لان إرادة المداليل المختلفة والمصاديق المتعددة ، إرادة معنى واحد تكون مداليل هذا المعنى وان شئت فقل : مصاديقه - ملفوفة طيه ، مندكة فيه ، لا إرادة معان مستقلة متقابلة . فافهم .